المحقق البحراني

194

الكشكول

على ما به سعادة داريك ونجح أمريك وهو العلم الذي به تدخل في حقيقة الإنسان الذي هو أشرف نوع الحيوان عند الملك المنان ، وله أعدت المنازل العالية في أعلى قصور الجنان وهيئت له الحور والولدان وسخرت له الملائكة والإنس والجان ، ومن تخلى عن العلم وإن تحلى بحلية الإنسان وشابهه في الجوارح والأركان فهو إنسان فشرى وبسر قسرى ، فإنك إذا حققته لم تجده إلا من أحد البهائم أو السباع لما قد اكتسبه منها من الأخلاق والطباع . وإذا أردت بيان حقيقة هذا الكلام لئلا تظنه مجازا أو من جملة الأوهام فاعلم أنه قد أطبق أرباب الحقيقة وقصاد تلك الطريقة أن الإنسان ليس إنسانا باللحم والجسد ولا بالجوارح المركبة فيه مدى الأبد بل بالروح والنفس الناطقة لا من حيث هي كذلك بل من حيث استكمالها بكمالاتها اللائقة بما هنالك ، وللّه در من قال : يا خادم الجسم كم تشقى بغلته * وتطلب الربح مما فيه خسران فلازم - وفقك اللّه تعالى له - الدروس والنظر : اقبل على النفس واستكمل طرائقها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان واتخذ الخلوة والعزلة حجابا عن البشر فليس في الصحبة إلا الوبال والضرر وإياك والرغبة فيما لا يهمك ولا يعنيك بل ربما يغمك ويعييك من أمور هذه الدار المملوءة بالهموم والأكدار والاشتغال بكثرة الكتابة للمجاميع والقراطيس مما يمنعك عن نيل ذلك الجوهر النفيس ، فاصرف أيدك اللّه تعالى للعلم همتك وبيض لأجله لمتك وأغلق له دكانك وشدد له أركانك واهجر له صحبك وإخوانك واعطه كلك عسى أن يعطيك بعضه ولا يوليك هجره وبغضه ، وانتهز الفرصة فإنها تمر مر السحاب وخذ الأهبة قبل أن يغلق الباب فليس أبوك بباق لك مدى الأوقات ولا زمانك يفي لك بالسلامة من الآفات والمخافات ( شعر ) : عليك بالعلم وتحصيله * والسعي كل السعي في نيله والسعي في تحقيق أبوابه * والشرب من كاسات تبجيله واجعل له الليل نهارا عسى * تكشف عن فجر دجى ليله والزم له العزلة في خلوة * كيما ترى أنوار تأويله واعطه كلك كي ربما * يعطيك منه بعض تفضيله ودع لداعي الجهل أربابه * فالكل مشغول بتضليله